الشيخ محمد رشيد رضا

17

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على المكث فيه لما علمنا من حكمة ذلك . وقد بينا هذا النوع من النكت من قبل وجعلنا منه عطف المرفوع على المنصوب في قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ ) أي وكذا الصابئون أو والصابئون كذلك ، خص هؤلاء باخراجهم عن نسق من قبلهم في الاعراب لان الناس لم يكونوا يعرفون أنهم بقايا أهل كتاب « 1 » وقد يكون حذف الباء في قوله ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ) للتنبيه إلى التأمل والتفكر في كون اللّه تعالى أعلم بأحوالهم لأنها هي المقصودة هنا بالذات بدليل سابق الكلام ولا حقه إذ هو فيهم ، وما ذكر العلم بالمهتدين إلا لأجل التكملة والمقابلة ولذلك عطف على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد ، فتأمل . ولو جازت الإضافة هنا نحو أفضل من حج واعتمر - لكان الكلام احتباكا تقديره هو أعلم من يضل ومن يهتدي وهو أعلم بالضالين وبالمهتدين ، فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر ، وليس المانع من جواز الإضافة هنا كون صلة من فعلا مضارعا لا ماضيا كالمثال الذي أوردناه ونظائره ، بل المانع هو أن المضاف في مثل هذا الكلام من جنس المضاف اليه وهو ممتنع في الآية لأنه تعالى لا جنس له ولو اقترن الموصول هنا بالجار فقبل هو أعلم ممن يضل عن سبيله لجزمنا بالاحتباك * * * بعد أن بين تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن أكثر أهل الأرض يضلون من أطاعهم لأنهم ضالون خواصون ، وأنه هو أعلم بالضالين والمهتدين ، رتب على ذلك امر أتباع هذا الرسول بمخالفة الضالين من قومهم وغير قومهم في مسألة الذبائح وبترك جميع الآثام فقال ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ) أي إذا كان أمر أكثر الناس على ما بينته لكم فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه من الذبائح دون غيره وهو ما يصرح به بعد آيتين من السياق - إن كنتم بآياته التي جاءتكم بالهدى والعلم مؤمنين ، وبما يخالفها من ضلال الشرك والكفر وجهل أهله مكذبين ، وحكمة الاهتمام بهذه المسألة يربطونها بمسائل العقائد هو أن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات ، بل نظموها في سلك أصول الدين والاعتقادات ، فصاروا يتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال دينهم ، ويهلون لهم

--> ( 1 ) يراجع تحقيق هذا البحث في تفسير آية 5 : 72 من جزء التفسير السادس